فتاوى يستتاب أو يقتل بين ابن تيمية والمذاهب والإباضية خصوصا

 

إن ما يتداوله بعض الذين يحبون النسخ واللصق بدون علم ، المهم أنه يخدم بعض أغراضهم النفسية الانتقامية على شيخ الإسلام ابن تيمية ، ولكن في حقيقة الأمر إنما يفضح مدى ضحالته العلمية في المسائل الشرعية.

ويزيد العجب عندما ترى شخص ينقل ما يعارض مذهبه بل ما يعارض ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، المهم أن فيه طعن وتعريض بمن ليس معه في الفكر.

 

بل أكثر من هذا ، هناك من وصل به الحد التمييع بل وإنكار بعض الأحكام والحدود الشرعية بدعوى الحرية التي تلقوها بكل حضن من الغرب الذي لا يعرف من الحرية إلا الاسم فقط ، ومن هذه الحدود هو حد الردة الذي لا يختلف عليه من هو في داخل دائرة الإسلام من أي مذهب كان، فأين يضع  هذا الإنسان نفسه داخل أو خارج هذه الدائرة.

 

إحسانا لظن نقول أن هذا الناقل لا يعرف ما ينقل إلا عنوانه فقط ، مثل "فتاوى ابن تيمية تقطر دم" ، أو "داعش وابن تيمية" أو مثل هذه العناوين ، والله المستعان.

 

إعلم رحمك الله أنه يجب علينا أن نعرف أن كل عالم مفتي له طريقته في إصدار الفتوى وهذا يرجع إلى عدة اعتبارات منها الحالة الاجتماعية التي هو فيها ، فهناك من يحكم على تارك الصلاة جحودا أنه لا يجوز أو حرام وطبعا هذا العمل لا يجوز أو يزيد أكثر فيقول كبيرة مخرجة من الملة أو مرتد أو يستتاب وأخيرا يقتل ، ومن هذا يتضح أن ليس العيب في من قال يستتاب أو يقتل بل العيب في من أطلقها في غير موضعها ، ومن هنا سنرى هل ابن تيمية أطلقها في موضعها أم لا :

 

أولا : إن هذه الأحكام التي يطلقها ابن تيمية تدور حول هذه المسائل :

1 . تشريع أمور غير شرع الله، هذا معلوم من الدين بالضرورة.

2 . إتباع أشخاص غير الرسول في الأمور الشرعية، هذا معلوم من الدين بالضرورة.

3 . ترك الصلاة جحودا ، وفيه يقول الإباضي ابي سعيد الكدمي في كتاب "الاستقامة" : "جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة " ، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من علماء المسلمين"

4 . الكذب على الله ورسوله ، وفي هذا يقول الإباضي الخروصي في كتابه "جامع أركان الإسلام" أن من الأمور التي بها يرتد المسلم "الكذب على الله أو على رسوله عمداً " ، أقول وكيف نعرف أنه كذب عمدا ؟ هذا مما سنعرفه في الأسطر التالية إن شاء الله.


وهذه المسائل كلها متفق عليها بين علماء المذاهب أنها أمور "كفرية" ومنها الإباضية ، ولعل بعض التفصيل حول هذه الفتاوى ستجده في آخر هذا المقال.


ثانيا : السؤال المتبادر هل كل من قام بهذه الأمور يكفر أم لا ؟ الجواب لا ، لأنه ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه.

كيف هذا ؟ نريد بعض التفصيل ؟

ج : لا يمكن أن نقول أن فلانا [بالتعيين] أنه كفر أو إرتد إلا بعد أن تتحقق الشروط وتنتفي الموانع وهذا هو القصد من كلمة [يستتاب] وهي وظيفة العلماء الربانيين :

وفي هذا يقول الإباضي ابي سعيد الكدمي في كتاب "الاستقامة" : "المرتد عن الإسلام قد جاءت السنة عليها فيه أنه لا يقتل حتى يستتاب"

 

ماهي الشروط التي يجب أن تتحقق ؟
تحقق الشروط، منها: أن يكون قوله الكفر عن اختيار وتسليم، أو يكون لازمُ قوله الكفرَ وعُرِضَ عليه فالتزمه، وأن تقوم الحجة عليه ويتبيّنَها

ماهي الموانع التي يجب أن تنتفي عنه ؟

انتفاء الموانع، منها: أن يكون مُغيّبَ العقل بجنون ونحوه، أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو لم يتسنّ له معرفة الدين إلا بواسطة علماء الابتداع يستفتيهم ويقتدي بهم، وأن لا تبلغه نصوص الكتاب والسُّنّة كمن نشأ ببادية بعيدة، أو بلغته أحاديث ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، أو بلغته وثبتت عنده وفهمها لكن قام عنده معارض أوجب تأويلها ونحو ذلك من الموانع.

ملاحظة : الذي يكفر بعد اسلامه يسمى مرتدا ، والمرتد يقتل ، وهذا أيضا باتفاق جميع العلماء، اما هنا فهي وظيفة السلطان ، فتنفيذ مثل هذا الحد موكول إلى ولي الأمر أو نائبه (الحاكم والقاضي ) وبل في المحاكم الشرعية وليس إلى آحاد الناس ، وإلا لعمت الفوضى ولزهقت الأرواح البريئة.

إذن : ان هذه الفتاوى لابن تيمية هي أمور متفق عليها ولكن إيرادها بهذا الشكل + عنوان فوقها مثل "فتاوى تقطر بالدم" + الخلفية المسبقة المشوهة حول ابن تيمية + القراءة السريعة = اي يؤدي الى الفهم الخاطئ وبالتالي الحكم الخاطئ.

بعض التوضيحات في هذه الفتاوى :

1 . نص الفتوى :

مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ إذَا صَلَّى يُشَوِّشُ عَلَى الصُّفُوفِ الَّذِي حَوَالَيْهِ بِالْجَهْرِ بِالنِّيَّةِ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ مَرَّةً وَلَمْ يَرْجِعْ، ...
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْجَهْرُ بِلَفْظِ النِّيَّةِ لَيْسَ مَشْرُوعًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ دِينُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَعْرِيفُهُ الشَّرِيعَةَ، وَاسْتِتَابَتُهُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ قُتِلَ، بَلْ النِّيَّةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْعِبَادَاتِ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.

 

التعليق على هذه الفتوى :

 

لو أمعنا النظر في هذه الفتوى لوجدنا أن ابن تيمية لم يفتي بقتل المجاهر بالنية ، بل افتى بقتل من ادعى ان هذا من شرع الله ، قال ابن تيمية "ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب فإنه يجب تعريفه الشريعة"

فالعقوبة هنا ليست عقوبة التلفظ بالنية كما اعتقدت ولكن للكذب على الله ورسوله و لأن هذا كذب وافتراء على شريعة الله وتقويل للنبي ﷺ ما لم يقله.

ويؤيد هذا أيضا نور الدين السالمي في كتابه "معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال" قال : "استحبَّ أَصحَابُنَا والشافعيَّة والحنَفِيَّة وبعضُ أصحابِ مالك التلَفُّظ بِما يَدُلُّ عَلَى النيَّة، بَعد اتِّفَاقهم أَنَّ الجهرَ بالنيَّة غَير مَشروع،..."

فقد أقر السالمي " أَنَّ الجهرَ بالنيَّة غَير مَشروع " وقال فيما بعد "بأنَّا نُسلِّم أَنَّهَا بِدعة، لَكِن مُستحسنَة" فحتى السالمي لا يرى أنها من شريعة الله ولا يرى أنها واجبة ولكنه متأول ، فأرجو أن تتفطن لهذا.

2 . نص الفتوى :

 

... مَتَى اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ دُونَ الْإِمَامِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. بَلْ غَايَةُ مَا يُقَال: إنَّهُ يَسُوغُ أَوْ يَنْبَغِي أَوْ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ أَنْ يُقَلِّدَ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ زَيْدٍ وَلَا عَمْرٍو.

 

التعليق على هذه الفتوى :

 

 هذا الكلام مقتص ولو قرأته من أصله لفهمت مقصده وهو أن ابن تيمية يذم التعصب بأن يتعصب الإنسان إلى إمام بعينه [ركز جيدا قال بعينه] غير النبي [ركز جيدا في النبي] بل يَجِبُ على العامي أن يقلد واحد لا بعينه [ ركز قال لا بعينه ]

أي كان قصده أنه لا يجب أن نتبع الأشخاص بأعيانهم بل نتبع الحق فقال "ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه كان قد أحسن" لأن إتباع الأعيان يكون لرسول الله ﷺ فقط لا غير.

3 . نص الفتوى

مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ جَارٍ لِلْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَحْضُرْ مَعَ الْجَمَاعَةِ الصَّلَاةَ وَيَحْتَجُّ بِدُكَّانِهِ:
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ لَا يُصَلِّي فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ.
وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهُ الْإِهْمَالُ لِلصَّلَاةِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ: إذَا فَرَغْت صَلَّيْت، بَلْ مَنْ ظَهَرَ كَذِبُهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَيُلْزَمُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.

 

التعليق على هذه الفتوى :

 

إن المتأمل في هذا الحكم الخطير يجده يرتكز على قوله "فَإِنْ كَانَ لَا يُصَلِّي" ، ومنه فإن هذا الأمر هو متفق بين جميع المذاهب أنه يكفر مع بعض الاختلافات ، ونلاحظ أن الشيخ وضع استثناء  في قوله [والْإِهْمَالُ] وهذا مبين في مواضع أخرى.

4 . نص الفتوى :

مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسًى تَكْلِيمًا. وَإِنَّمَا خَلَقَ الْكَلَامَ وَالصَّوْتَ فِي الشَّجَرَةِ، وَمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَمِعَ مِنْ الشَّجَرَةِ، لَا مِنْ اللَّهِ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُكَلِّمْ جِبْرِيلُ بِالْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَهَلْ هُوَ عَلَى الصَّوَابِ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَيْسَ هَذَا الصَّوَابَ، بَلْ هُوَ ضَالٌّ مُفْتَرٍ كَاذِبٌ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا.
بَلْ هُوَ كَافِرٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ،.

 

التعليق على هذه الفتوى :

 

هذا الأمر هو متفق بين جميع المذاهب المعتدلة بأن من كذب الله ورسوله يكفر ولو عدت إلى مصدر الفتوى لرأيت تفصيل هذا الأمر وسأقتص منه لأختصر لك الطريق

فالله يقول {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً}[النساء: 167] وهو يقول "لم يكلم موسى تكليما"

يقول "سمع من الشجرة لا من الله" إذن الشجرة هي التي قالت لموسى:{ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي}

الله يقول {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ} وبعدها قال {...وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 114] وهم يقولون "إن الله عز و جل لم يكلم جبريل بالقرآن وإنما أخذه من اللوح المحفوظ"

وفي هذا يقول الخروصي الإباضي في كتابه "جامع أركان الإسلام" أن من الأمور التي بها يرتد المسلم "الكذب على الله أو على رسوله عمداً "

قيم الموضوع
(0 أصوات)
مزاب سنة

موقع لتوضيح ودفع الشبهات الواردة على المنهج السني من المفاهيم الخاطئة والادعاءات الباطلة والمزعومة من قبل بعض الجماعات المنحرفة فكرياً في الغلو والتطرف والتكفير والعداء للآخر.